المؤتمر الشعبي العام.. 44 عامًا من التجربة ومرحلة جديدة من التحدي.
|
منذ ساعة
A-
A+
A+
A-
في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، لا تبدو المناسبة مجرد محطة لاستعادة تاريخ حزب كان أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية اليمنية، بقدر ما هي فرصة للتأمل في تجربته، ومراجعة محطاتها، واستعادة المعاني التي قام عليها مشروعه الوطني، وفي مقدمتها الميثاق الوطني بما حمله من مفاهيم الحوار، والشراكة، والاعتدال، والوحدة الوطنية، والدولة، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية. ففي 24 أغسطس 1982م، انعقد المؤتمر الشعبي العام الأول تحت شعار «من أجل ميثاق وطني يجسد عقيدة الشعب وأهداف الثورة»، وأُقر الميثاق الوطني باعتباره إطارًا فكريًا للعمل الوطني، ثم تحوّل المؤتمر إلى تنظيم سياسي يحمل تلك المبادئ إلى المجال العام، وكانت الفكرة في جوهرها محاولة يمنية لصياغة أرضية مشتركة تجمع المختلفين حول القواسم الوطنية، وتضع مصلحة اليمن فوق الاستقطابات الأيديولوجية والصراعات السياسية. ومن هنا جاءت تجربة المؤتمر عبر عقودها المختلفة محكومة بمحطات وتحولات كبرى؛ من مرحلة تأسيس الدولة ومؤسساتها، إلى تحقيق الوحدة اليمنية، ثم الانتقال إلى التعددية السياسية والانتخابات، وما رافق ذلك من صراعات وتحديات، وصولًا إلى انقلاب اللقاء المشترك على الديمقراطية والاحتكام للشارع وما تلاه من أحداث 2011 وما أحدثته من تغيير عميق في بنية المشهد السياسي، ثم انقلاب جماعة الحوثي على الدولة، وما تلاه من حرب وانقسام وتبدل في موازين القوى، وصولًا إلى استشهاد رئيس المؤتمر الزعيم علي عبدالله صالح والأمين العام عارف عوض الزوكا في ديسمبر 2017، وهي محطة تركت أثرًا بالغًا في مسيرة الحزب وفي المشهد اليمني عمومًا. وعند استحضار قيادة المؤتمر في تلك المراحل، يصعب فصل تجربته عن شخصية الزعيم علي عبدالله صالح، الذي ارتبط اسمه بتأسيس المؤتمر وقيادته لسنوات طويلة، كما يصعب تجاوز صورة الشهيد عارف الزوكا الذي ظل في موقعه القيادي حتى اللحظة الأخيرة، وبعيدًا عن تقييم التجربة السياسية بكل تفاصيلها، فإن ما بقي من تلك المرحلة هو أن العمل الوطني، في لحظاته الصعبة، يحتاج إلى مسؤولية وتضحية وثبات، وأن المواقع القيادية لا تُقاس فقط بما تمنحه من نفوذ، وإنما بما تفرضه من التزامات تجاه الوطن والتنظيم والناس. لقد أثبتت تجربة المؤتمر أن التنظيمات السياسية لا تعيش بالتاريخ وحده، وأن المحافظة على الإرث لا تعني الجمود عند أدوات الماضي، فالواقع اليمني اليوم مختلف بصورة جوهرية عما كان عليه قبل 2011، وموازين القوى والتحالفات والمصالح المحلية والإقليمية والدولية تبدلت بصورة كبيرة، ولذلك فإن استعادة دور المؤتمر تبدأ من قراءة دقيقة للمشهد، وفهم نتائجه كما هي، لا كما نرغب أن تكون، ثم بناء الموقف السياسي على هذه القراءة بواقعية واتزان وحساب دقيق للمصلحة الوطنية. وهنا تحديدًا تبرز قضية الشباب باعتبارها أولوية لا ترفًا تنظيميًا، فالمؤتمر بحاجة إلى دماء جديدة، وإلى جيل من كوادره الشابة يمتلك المعرفة السياسية، والقدرة على الحوار، وفهم التحولات المحلية والإقليمية، ويستطيع الانتقال بالحزب من مجرد استعادة الذاكرة إلى صناعة المستقبل، ولا يعني ذلك إقصاء جيل الخبرة أو تجاوز القيادات التاريخية، بل يعني وصل الخبرة بالتجدد، وإتاحة المجال أمام الشباب للمشاركة في صياغة الرؤية، وتحمل المسؤولية، والوصول إلى مواقع القيادة وصناعة القرار. إن تجديد المؤتمر لا يكون بتغيير الوجوه وحده، وإنما بتجديد طريقة التفكير والعمل السياسي؛ فالشاب الذي يقرأ المتغيرات، ويفهم المجتمع، ويستوعب أدوات السياسة الحديثة، ويؤمن بالدولة والجمهورية والهوية الوطنية، هو امتداد حقيقي للميثاق الوطني أكثر من أي شعار يُرفع دون ممارسة. ومن المهم كذلك أن يستعيد المؤتمر جوهر الميثاق الوطني بوصفه مساحة جامعة لا عنوانًا للصراع، فمفاهيم الحوار، والتسامح، والاعتدال، والقبول بالآخر، والشراكة الوطنية، والديمقراطية، والعدالة والمساواة، ليست عبارات من الماضي، وإنما مبادئ يمكن أن تستعيد قيمتها في مواجهة واقع يزداد انقسامًا واستقطابًا. واليمن اليوم بحاجة إلى قوى سياسية تقرأ الواقع كما هو، وتتعامل مع نتائجه بعقل سياسي هادئ، وتضع استعادة الدولة والجمهورية، وحماية وحدة اليمن، وصون هويته الوطنية والاجتماعية، فوق الحسابات الضيقة، والمؤتمر، بما يمتلكه من تجربة تاريخية وانتشار وكوادر وخبرة تراكمية، يملك فرصة حقيقية للمساهمة في هذا المسار إذا استطاع أن يعيد ترتيب أولوياته، ويجدد أدواته، ويفتح أبوابه بصورة أوسع أمام الجيل الجديد. إن الذكرى الرابعة والأربعين ليست مناسبة للوقوف عند الماضي فقط، بل مناسبة للسؤال: ماذا يريد المؤتمر أن يكون في اليمن القادم؟ والإجابة لن تكون في استنساخ مراحل سابقة، وإنما في استلهام قيم الميثاق الوطني، والاستفادة من دروس التجربة، وقراءة الحاضر بواقعية، وإعداد جيل جديد قادر على تحمل مسؤولية المستقبل.
*رئيس فرع الموتمر الشعبي العام بروسيا الاتحادية ورابطة الدول المستقلة، |