كثيراً ما تحدثنا في خطاباتنا ومخاوفنا، على فترات متفاوتة وأحداث متلاحقة، عن خطورة الدخول أو الوقوع في (النفق المظلم).. وكثيراً ما أكدت وشددت خطابات القادة، وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح، عن ضرورة تحاشي وتجنب ذلك الوقوع، الذي ستكون الرجعة منه والسلامة من نتائجه، شبه مستحيلة، أو على الأقل صعبة المنال وعالية الكلفة إن تمت.
ربما كنا أو كان معظمنا يتعامل بلا مسئولية تجاه تلك الخطابات، أو يتعامل معها وكأنها بحكم التحذيرات المبالغ فيها نوعاً ما، أو التي يراد من خلالها تأمين اللحظة الراهنة بأكبر قدر ممكن.
اليوم وقد بتنا نتنفس بصعوبة ونعدم الرؤية والإحساس بالزمن، وبالكاد ندرك أننا لا نزال أحياء بات علينا الاعتراف أننا نعيش في ذلك النفق الذي كان يرد في الخطابات والمخاوف.. ولعل هذا هو الأمر الوحيد الذي بات يستحق ويوجب الإجماع بيننا، سواء أرضينا بهذا الاعتراف أو حاولنا التملص من قبضته والمراوغة في مسماه بغض النظر عن كيفياته وهيئاته.. ومع ذلك لا يمكننا، مهما كانت توجهاتنا ووجهات نظرنا حول الكيفيات والأسباب التي وصلنا عبرها إلى هذه اللحظة، أن ننكر وقوعنا في فخ ذلك النفق، أو أن نحاول تصويره على غير ما يبدو.
ومن أكثر ما يؤسف له أننا نكاد نجمع بلا هوادة على أنه لا أشد ظلاماً مما وقعنا وأوقعنا وطننا فيه من نفق سحيق، نفق لا يكاد يفرق عن الجحيم في شيء..!! ويكفينا أننا أصبحنا نموت بلا أسباب ونعيش لغايات لا نكاد ندرك منها شيئاً، سوى أنه يجب علينا كل يوم أن نحاول ما نستطيع أن نواصل العيش لليوم الآخر..!! وكل ذلك لم يكن ليحدث لو أننا تعاملنا مع تلك الخطابات والتحذيرات ولو بقليل من الجدية والاهتمام، ولم نتعامل معها وكأنها مجرد محاولات لتأمين اللحظة التي نعيشها.. ولو أننا تعاملنا مع الوطن كقيمة عليا في إيماننا وسقف نحتمي به من الظلام الذي صرنا إليه.
في هذا الحال المظلم الذي نعيشه اليوم، لا بد لنا من أن نؤمن بوجود الفرص مهما كانت احتمالاتها قليلة وضئيلة.. ولا بد من الاتكاء على فكرة أن لكل ظلام حداً ونهاية، وأنه لا يزال هناك ولو شق صغير يمكن الحفر فيه وتوسيعه وصولاً للضوء، واستدراك ما يمكن استدراكه من وطننا ومن أنفسنا التي لا يجب أن تستسلم حتى آخر رمق فيها.. وذلك لن يكون إلا بالالتفاف حول مشروع وطني حقيقي، لا غايات أو أطماع في أولوياته تتجاوز المصلحة العامة لنا ولوطننا.. وهذا المشروع لن يتمثل أبداً في سلوك جماعة أو عصابة أو كيان حزبي أو سياسي خارج شكل الدولة.
إن الدولة وحدها من يمكنها أن تكون مظلة أو سماء لكل اليمنيين.. ومتى ما آمنا جميعاً بذلك، والتففنا حول كل من يعمل من أجل استعادة الدولة ولو في أضعف أشكالها وهيئاتها، فلن تلمس أعيننا مجدداً الضوء، وسيتوالى الزمن وتتابع الأجيال في الظلام الذي كنا سبباً في الوقوع في نفقه.. وستظل تلك الأجيال حبيسة هذه اللعنة، ورهينة لثقافة اللعن والمقت، كتهمة علينا أن نتقبل استحقاقها إلى الأبد، إن لم نكن سبباً في إيقافها أو نوجد الأسباب الحقيقية في النجاة منها، أو على الأقل إنقاذ أبناءنا والأجيال اللاحقة لنا من كل هذا الظلام الملعون الذي يلفنا.