لصنع أزمة سياسية لا بد من إيجاد تنازع، والتنازع لا بد له من وجود طرفين أو أكثر ليحدث ويحقق بالتالي المشكلة أو الأزمة، والتنازع السياسي لا بد له من وجود مغريات تسيل اللعاب وتعمل على إذكائه وتأجيجه، والمتنازعون لا بد لهم من وجود قوة تساعد على الانتصار والحصول على أكبر قدر من المغريات المعروضة في ساحة الأزمة.
وغالباً ما تتمثل المغريات في السلطة والمال وهما مكسبان أو عنصران لا يمكن الاحتكام عليهما ما لم يكن هناك قوة تساعد أولاً في الحصول عليهما ثم في الدفاع عنهما.. وليتم ضمان الاستمرارية في مديات الأزمة، لا بد من تحقيق توازن دقيق بين الطرفين أو الأطراف المتنازعة سواء في عرض النغريات أو في امتلاك القوة.. والقاعدة الأهم في استمرار الأزمة ألا يكون هناك انتصار حاسم أو هزيمة أخيرة في التنازع قد يكون سبباً في إنهاء أسباب الظاهرة والخفية للأزمة..
هذا الحال نستطيع أن نستشفه بوضوح من راهن الأزمة اليمنية والتي حملنا التعايش معها لقرابة عقد من الزمن إلى إطلاق مئات التساؤلات والاستفسارات ليس أولها: لماذا يتصارع المتصارعون؟! ولا آخرها: إلى متى سيستمر هذا الصراع..؟! ولو دققنا وطبقنا ما ورد أعلاه على واقع الأزمة اليمنية سنجد ببساطة أن اليمن تم جره إلى أزمة سياسية كلما طال عمرها كلما اتضح أن أسبابها المباشرة لا تتعدى فكرة الجشع والطمع في الحصول على المغريات المذكورة (السلطة والمال)، بينما تكمن في الأغوار أسباب عميقة راعتها وتراعيها أطراف لا تظهر على الساحة إلا بمقام الوسيط، نعم الوسيط الذي هو بدوره من دحرج صخرة الأزمة من علو وتركها توجد من الأسباب ما يناسب اشتعالها واستمرارها ويتوافق مع المصالح الخفية التي تعد سبباً خقيقياً وراء وجود أزمة..!!
لقد استدرج اليمن ليقع في هذا الفخ، واستدرجت الأطراف، التي تم تحديدها مسبقاً لخوض هذا السباق.. سباق تدمير اليمن وتعذيب الشعب اليمني واستغلاله، وتم التخلص بدهاء قذر من كل ما من شأنه أن يرجح كفة أو يلقى إجماعاً، لأن وجود ذلك بطبيعة الحال سيوجد بيئة غير صالحة لاحتواء أزمة.. لقد تم إقصاء القوى النافذة سواء السياسية أو العسكرية واستبدالها بقوى هشة ومتقاربة حفاظاً على التوازن المطلوب كشرط أساسي لوجود أزمة واستمرارها، وتم الحفاظ على هذا النسق بشكل دقيق وذكاء متناه لنصل إلى ما وصلنا إليه اليوم من واقع أعمى وآفاق منعدمة ومعاناة لانهاية لها في حق شعب لم يعد ما يمتلكه يتجاوز التسليم والصبر، بعد أن جرد من الثقة بأي من الأطراف الموجودة على الساحة..!!