بعد أن استنزفت واستنفدت المتاهات السياسية والعسكرية، لم يعد أمام النافذين في إدارة الأزمة اليمنية، إلا الانتقال إلى الجانب الاقتصادي، ليلقي بظلاله الخانقة على المشهد اليمني، وفي هذا الجانب بطبيعة الحال متاهات متداخلة، وقضايا متشعبة، وأكثر تعقيداً مما هو في الجانبين السياسي والعسكري، إنه صالح لأن يكون إناء واسعاً لمشكلات عويصة لا يكاد يكون لها نهاية أو طرف.. بل إنه ظلمات من ورائها ظلمات..!!
هناك نظام مالي تخلق خلال الأزمة ووضعت خرائطه ومساحاته المكانية والزمانية، بإدارة فيها من الذكاء والدهاء ما يفتقد إليه أطراف الأزمة مجتمعين، وهذا النظام من المستحيل إطلاقاً القضاء عليه أو تغيير معالمه بوضوح عبر مشاورات ومداولات بين لجان وموفدين من هنا وهناك.. إنه نظام مالي واقتصادي وضع على أساس فرص التصعيد والتباين بين الأطراف من أجل وجود أزمة، أي هو نظام أزمة ولا يمكن الاتكاء عليه من أجل السير في خطوط واضحة هدفها إنهاء الأزمة..!!
ولعل اتخاذ قرار الانزياح باتجاه الاقتصاد هو إعلان عن مرحلة جديدة من التسويف والعمل على تطويل وتمطيط مديات وسقوف الأزمة ربما إلى آفاق مفتوحة لا ملامح ولا حدود ولا نهايات واضحة.. وما يؤكد ذلك ليس الترابط الوثيق والتأصير المتبادل بين الاقتصاد من جهة والسياسة والموقف العسكري من جهة وحسب، وإنما الترابط الأكثر أهمية وتأثيراً هو الكائن بين مؤسسات وأدوات الاقتصاد والمواقف الاقتصادية التي يحتكم عليها كل طرف من جهته..!!
وكل قضية اقتصادية يتم التداول حولها وتسريبها كمكسب لعامة الشعب، هي مجرد استمرار للعبة الإلهاء والتخفي التي تديرها قوى خارجية وتنفذها الأطراف مرغمة.. والمؤسف هو الاعتقاد الكبير بأن اللجوء إلى الجانب الاقتصادي ماهو إلا تأكيد على أنه ما يزال أمام الأزمة اليمنية الكثير من الوقت، وإن إدارة الأزمة والغرف (الخاصة) التي يديرها المجتمع الدولي عموماً لم تصبح لديها بعد الإرادة الحقيقية والفعلية في الذهاب إلى إنهاء الأزمة في اليمن، رغم كل ما صار إليه اليمنيون من حال أسوأ من السيء بدرجات..!!
يكذبون كما يتنفسون حقا حين يتحدثون عن إمكانية توحيد النظام المالي والاقتصادي، بما في ذلك توحيد العملة وصرف المرتبات والاتفاق على الموارد بما يخدم عامة الشعب، لاستحالة تحقق ذلك منطقيا وواقعيا، فما بالنا في أن تكون لدى إدارة الأزمة من خارجها أهداف استرلايجية ونيات مضمرة أبعد ما تكون عن المصلحة العامة لليمنيين.. ومن هنا فقط يتجلى لنا بوضوح أن أية وعود بالانفراج في الوقت القريب، ما هي إلا وعود زائفة لن يتم الإيفاء بها، وأننا ما نزال نخضع لجلسات تنويم وإلهاء، لا نستفيق من أحدها حتى نغيب في الأخرى..