في إطار مساعيها المتواصلة منذ انقلابها على السلطة الشرعية واجتياح العاصمة صنعاء ومحافظات عدّة في سبتمبر عام 2014 لعسكرة الدولة والمجتمع، أطلقت الميليشيا الحوثية الموالية لإيران مرحلة جديدة لما أسمته "الدورات العسكرية المفتوحة" لموظّفي ومنتسبي جميع الوزارات والمؤسّسات الحكومية.
وأعرب مراقبون عن المخاوف من تمكّن الحوثيين بعد محاولاتهم المستمرة وخاصةً منذ إشعال الحرب أواخر مارس عام 2015، من إنشاء دولة بوليسية طائفية تدين بالولاء الكامل لزعيم الحوثيين وجماعته التي تنفّذ أجندة طهران في اليمن، مشيرين إلى تجنيد عشرات الآلاف من الموالين للحوثيين في أجهزة الجيش والأمن والمخابرات، وسيطرة قادة الحوثيين ومسؤوليهم على القرار السياسي ومفاصل الدولة والاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى تعيين الآلاف ممّن كانوا ضمن "اللجان الشعبية" في كافة الوزارات والمؤسّسات والهيئات الحكومية وإحلال الكثيرين محل المنقطعين والذين اضطّرتهم الحرب إلى مغادرة مناطق الحوثيين.
وتأتي تلك الخطوة استغلالاً للأوضاع الإقليمية المضطّربة والحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة منذ الـ 7 من أكتوبر الماضي، إذ أشارت وكالة الأنباء "سبأ" في نسختها الحوثية إلى أن تلك الدورات التي أطلق عليها اسم "طوفان الأقصى" تأتي في إطار الاستعداد لما أسمته "معركة الفتح الموعود والجهاد المقدّس".
وفي تغطيتها الإخبارية لتدشين الدورات العسكرية المفتوحة في مختلف الوزارات والمحافظات اليمنية نقلت وكالة الأنباء الحوثية عن مسؤولين حكوميين، أن تلك الدورات تأتي في إطار "التعبئة واستجابة لتوجيهات عبد الملك الحوثي، باعتبارها رسالة للأعداء مفادها أن الاستمرار في مواجهة العدوان الصهيوني، حتى تحقيق النصر".
ففي وزارة الزراعة والري بصنعاء زعم نائب وزير الزراعة والري رضوان الرباعي أن المرحلة الأولى للدورة التي تستمر 13 يوماً "تهدف إلى تعزيز جهوزية المشاركين، والتأكيد على الاستعداد لتنفيذ أي مهام تطلب منهم ضمن معركة إسناد غزة نصرة للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة".
كما تم تدشين تلك الدورات العسكرية والطائفية خلال الأيام الماضية في "الشركة اليمنية للغاز"، و"الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة"، و"وزارة الأشغال العامة والطرق" و"وزارة الصحة العامة والسكّان" و"هيئة المستشفى الجمهوري التعليمي" بأمانة العاصمة، بخلاف لقاءات الحشد والتعبئة العامة والمناورات والعروض العسكرية في المحافظات المختلفة.
ويؤكد "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية" في تقرير له أن قوات التعبئة العامة التابعة للحوثيين قامت بفتح باب الالتحاق بدورات "طوفان الأقصى"، وهي عبارة عن دورات عسكرية تموّل من المساهمات والتبرّعات. وتستمر الدورات الواحدة منها من عشرة أيام إلى ثلاثة عشر يوماً، وتتم بالتنسيق مع عقّال الحارات وشيوخ القبائل في مختلف المناطق- ممّن يوجهون دعوة عامة للاشتراك بها- وكذلك عبر الملتقيات الطلابية في الجامعات الحكومية والخاصة.
وتشمل الدورات التدريب على استخدام الأسلحة الخفيفة (كالبندقيات الآلية والمسدسات) والمقذوفات المضادّة للدروع، ومدافع الهاون، حيث يعقد التدريب النظري في أماكن مختلفة مثل مساجد وجوامع الأحياء والحارات.
ويتم لاحقاً نقل المشاركين في هذه الدورات إلى الميادين والمساحات الفارغة حول المدن للتطبيق العملي، الذي هو عبارة عن ثلاثة أيام ويأخذ شكل المناورات الحربية بالسلاح الثقيل في بعض المناطق القبلية مثل عزلة الحدب وربع بني قيس في مديرية بني مطر غرب محافظة صنعاء.
وتم تخريج الدفعات الأولى من المشاركين في هذه الدورات في مختلف المدن والمحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وتشنّ الميليشيا الحوثية منذ 19 نوفمبر الماضي هجمات عسكرية ضد السفن التجارية في البحرين الأحمر والعربي بهدف تعطيل التجارة وحركة الشحن الدولي في الممر المائي الاستراتيجي، وذلك على خلفية الحرب في غزة.
وردّاً على هجمات الحوثيين التي تستخدم فيها الصواريخ الباليستية والمجنّحة والطائرات والزوارق المسيّرة، تشنّ الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا منذ 12 يناير الماضي ضربات جوية مركّزة تستهدف مواقع عسكرية في مناطق سيطرة الحوثيين بينها منصّات إطلاق الصواريخ. واعتباراً من 16 فبراير الماضي أعادت الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف الحوثيين كمنظّمة إرهابية عالمية. وفي الـ 20 من يوليو الجاري قصفت إسرائيل ميناء الحديدة غداة هجوم شنّه الحوثيون بواسطة طائرة مسيّرة أصابت مبنى في تل أبيب وأسفر عن مقتل شخص.
وفي تقرير سابق لها قالت منظّمة "هيومن رايتس ووتش" إن الحوثيين يقولون إنهم جنّدوا الآلاف في قواتهم المسلّحة منذ 7 أكتوبر 2023، ويفيد نشطاء أن الجماعة المسلّحة تجنّد أطفالاً لا تتجاوز أعمار بعضهم 13 عاماً، إذ أن تجنيد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاماً هو جريمة حرب.
ونقلت المنظّمة أن نشطاء أكدوا أنه، في حين يجنّد الحوثيون الأطفال بشكل ممنهج في اليمن منذ العام 2009 على الأقل، إلا أن إقدامهم على تجنيدهم للأطفال زاد بشكل ملحوظ في الأشهر القليلة الماضية وسط الأعمال القتالية في غزة.
وقالت نيكو جعفرنيا، وهي باحثة اليمن والبحرين في "هيومن رايتس ووتش": "يستغل الحوثيون القضية الفلسطينية لتجنيد المزيد من الأطفال من أجل قتالهم الداخلي في اليمن. ينبغي للحوثيين استثمار الموارد في توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال في مناطق سيطرتهم، مثل التعليم الجيّد والغذاء والمياه، بدلاً من استبدال طفولتهم بالنزاع".