في الـ26 من سبتمبر انتصر اليمنيون على الحكم الكهنوتي المستبد الذي جثم على صدورهم طيلة 1200 عام، وفي الـ14 من أكتوبر انتصر اليمنيون على الاستعمار البريطاني وتحرير نصف الوطن من الاحتلال الذي دام 139 عام، لكن ورغم أن انتصار الثورتين جاء تتويجا لمسيرة النضال والكفاح المشترك لكل اليمنيين، إلا أن الواقع السياسي التشطيري انعكس على المسار الوحدوي للثورتين وصنف ثورة سبتمبر على أنها ثورة لأبناء الشمال وصنف ثورة أكتوبر على انها ثورة لأبناء الجنوب.
ورغم أن ثورتي سبتمبر واكتوبر حملتا ذات المبادئ وذات التوجهات ومثلت الوحدة اليمنية أبرز وأهم الأهداف في تأكيد صريح لواحدية الثورة وواحدية المصير إلا التحولات السياسية وانجرار نظامي الحكم في صنعاء وعدن وراء تيار التجاذبات الدولية ذهب بهما وبالوحدة اليمنية بعيدا وحولها من هدفٍ ومشروعٍ وطني إلى وسيلةٍ لتمرير مشاريع وايدولوجيات سياسية يسعى كل طرفٍ لفرضها على الآخر.
في صنعاء مثلت الوحدة هدفا سبتمبريا وعنوانا رئيسيا للصحف الرسمية والمنهج الدراسي، وفي عدن مثلت الوحدة غاية ومشروعا اكتوبريا ونشيدا يردده التلاميذ في المدارس كل صباح، وسلاما وطنيا يرافق الساسة في المحافل الدولية، لكن تحققها ظل بعيدا عن الفعل الحقيقي وتحولت الوحدة من هدفٍ إلى شعار للمزايدة وسلاح تستقوي به الأطراف في خندق الحرب.
لثلاثة وعشرين عاما انتظر اليمنيون في شطري اليمن إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، لكن حلمهم الذي توقعوا أن يصبح حقيقة بعد انتصار ثورتي سبتمبر واكتوبر ازداد ابتعادا وتحول التشطير الذي كان قبل الثورة وهما إلى حقيقةٍ وواقعٍ وبراميل ونقاط تحول دون تواصل اليمنيين وحدودا تحظى بالحماية من قبل نظامي الحكم اللذين كانا يجرمان كل من يتجرأ على تجاوزها.
انتصر اليمنيون على الكهنوت الإمامي في شمال الوطن وتوجوا نضالهم بالانتصار على المحتل البريطاني وطرده من جنوب الوطن، لكن الوحدة التي مثلت أسمى أهداف الثورتين وظلت حلما مؤجلا وهما وطنيا وقضية مغيبة، كانت أكبر من أن تظل شعاراً وورقة للمزايدة وتحولت إلى ثورة اندلعت شرارتها أوائل العام 1989 على يد الرئيس علي عبدالله صالح واتقدت مشاعلها في الشمال والجنوب وأصبحت الحدث والقضية الأبرز لكل اليمنيين.
ثورة ثالثة صنعها أبناء الشعب اليمني في الشمال والجنوب وانتصروا فيها لأهداف ومبادئ ثورتي سبتمبر واكتوبر وصنعوا في الثاني والعشرين من مايو إنجازا هو الأعظم في تاريخ اليمن الحديث، وحولوا إعادة تحقيق الوحدة اليمنية من حلم وقضية مؤجلة إلى حقيقةٍ وواقعٍ يعيشونه تحت راية الجمهورية اليمنية.