شهد متحف "بيت بيروت" إقبالاً لافتاً على معرض "حدثني يا جنوب" منذ افتتاحه في مايو الماضي، حيث استقطبت قاعات العرض في منطقة سد البوشرية بقلب العاصمة اللبنانية اهتماماً غير مسبوق. يعرض المعرض صوراً عائلية، وشهادات، وقصصاً شخصية نابضة بالحياة، قادمة من جنوب لبنان، بهدف تقديم صورة حقيقية للجنوب من خلال سكانه، بعيداً عن الصور النمطية التي تختزله في الدمار، وللتأكيد على أن ذاكرة الجنوب لن تطويها سنوات الحرب. لم يكن هذا الإقبال الكبير وليد تحضيرات دامت لأشهر، بل جاء المعرض نتيجة قرار اتُخذ على عجل في لحظة استثنائية، قبل ثلاثة أسابيع فقط من افتتاحه، وفي وقت كانت آثار الحرب الأخيرة لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الجنوب. تساءل الفريق المنظم: هل هذا هو الوقت المناسب لعرض ذاكرة منطقة لا تزال جراحها مفتوحة؟ بعد ستة أسابيع فقط من انطلاقته، ترك المعرض بصمة واضحة لدى الزوار، وتجاوز عدد الحضور التوقعات، مما كشف عن حاجة ملحة لدى الكثيرين لاستكشاف واقع الجنوب وقصصه بطريقة مختلفة. وقبل أن يختتم مرحلته الأولى استعداداً لفترة استراحة تمتد لشهر في أغسطس، بدا الوقت مناسباً للتوقف والتأمل في تأثير المعرض. تؤكد دلفين أبي راشد، المديرة التنفيذية لمبادرة "حدثني"، أن المشروع كان بمثابة الرد الوحيد الذي استطاع العاملون في المجال الثقافي تقديمه في ظل الظروف الراهنة. ومع ذلك، اعترفت بوجود قلق منذ البداية، خاصة حول رد فعل أهل الجنوب، خشية أن يشعروا بأن تجاربهم أو خساراتهم تم اختزالها في مساحة العرض. لكن ما حدث كان عكس كل هذه المخاوف؛ فقد استقبل المعرض أكثر من 7200 زائر دون أي ردود سلبية، بل ترك الزوار أكثر من 130 رسالة، و90 رسماً، ومئات القصص التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المعرض نفسه. وعن الانتقادات التي طالته لكونه سابقاً لأوانه، تقول أبي راشد إن الفريق كان يصارع الشكوك في البداية، لكن الكلمات غالباً ما تعجز عن وصف ما يحدث، ناهيك عن فهمه. "نجد أنفسنا معلقين بين الماضي والمستقبل والحاضر، حيث يبدو المستقبل وكأنه مكتوب سلفاً، بينما التاريخ لا يزال غير مكتمل ويتكشف أمامنا." وتضيف: "ماذا يمكننا أن نفعل في مثل هذه اللحظات؟ ربما يمكننا فتح مساحة، وخلق مكان للتواجد معاً في هذه اللحظة. الحقيقة هي أنه لا يوجد وقت مثالي. كيف لا نتحدث عن الجنوب؟ ومن الواضح أيضاً أن أهل الجنوب يشعرون بحاجة ورغبة في مشاركة تجاربهم، في ظروف استثنائية كهذه." منذ البداية، لم يرغب المنظمون في أن يكون المعرض موجهاً لأهل الجنوب فحسب، بل لجميع اللبنانيين الذين قد تقتصر معرفتهم بالمنطقة على ما تبثه نشرات الأخبار المسائية. ترى أبي راشد أن اللبنانيين عاشوا الحرب بطرق مختلفة، وأن الجنوب كان حاضراً في النقاش العام، لكن تجارب سكانه لم تُسمع حقاً. وتضيف أن صور الألبومات العائلية القادمة من قرى الجنوب قد تكون لصور أي عائلة في لبنان، مؤكدة أن الفكرة الأساسية ليست فصل "نحن" و"هم"، بل البحث عن أرضية مشتركة تجمع اللبنانيين، بغض النظر عن مناطقهم أو تجاربهم. وبهذا المعنى، يصبح الحديث عن الجنوب وسيلة للحديث عن لبنان ككل، وليس مجرد منطقة واحدة. وتؤمن أبي راشد بأن الأرشيفات، والمقتنيات، والتوثيق الفني تشكل اعترافاً بتاريخ وتجارب الناس، وتحمي الجذور والهوية والذاكرة المشتركة. ويهدف المشروع إلى توثيق الجمال الاستثنائي للجنوب، والعلاقة الحميمة بين سكانه وأرضهم، والقصص المتوارثة عبر الأجيال، والتقاليد التي منحت الحياة اليومية معناها، جنباً إلى جنب مع الصدمات والخسائر المتكررة التي عانى منها سكان المنطقة على مدى عقود. وتشدد على أن جهود الحفاظ على الذاكرة يجب أن تمتد إلى جميع أنحاء لبنان، لأن أي محاولة لإعادة تفسير تاريخ البلاد وحاضرها لا تنفصل عن هذه العملية، تماماً كما ساعدت أرشيفات ما قبل الحرب في تسليط الضوء على واقع لبنان الحالي. لا تنتهي زيارة المعرض بمجرد مشاهدة الأعمال وطوي صفحتها. فقد خُصصت مساحات لكتابة الرسائل والذكريات، مما يحول الجمهور إلى شريك أساسي في إنشاء المحتوى. توضح القيّمة على المعرض، نور نصر، أن أكثر من 130 رسالة أصبحت جزءاً من المعرض نفسه، بعد أن كتب العديد من الزوار إلى قراهم في الجنوب، أو إلى منازل لم تعد موجودة، أو إلى أحباء رحلوا. وتقول إن هذا يجسد الفكرة الكامنة وراء "حدثني يا جنوب" منذ البداية: ألا يكون معرضاً نهائياً، بل معرضاً ينمو باستمرار من خلال ذكريات ومساهمات زواره. في مقابلة مع يورونيوز، تشارك نصر أن قراءة هذه الرسائل كانت من أقوى اللحظات للفريق، حيث تكررت مشاعر الفقد والحنين بشكل لافت. كتب بعض الزوار أن أول مكان يتمنون زيارته هو قبور أحبائهم، بينما استذكر آخرون أجدادهم، وأمسيات الصيف، والحياة اليومية البسيطة التي عرفوها في الجنوب. وفقاً لنصر، أظهرت هذه الرسائل أن علاقة الناس بالجنوب لا ترتبط بالمكان فحسب، بل تمتد إلى العائلة، والذاكرة، والانتماء، والهوية. لهذا السبب، حرص المنظمون على توفير مساحات تدعو الزوار للتذكر والمشاركة، سواء من خلال دفاتر مفتوحة أو من خلال تصميم المعرض نفسه. تشدد نصر على أن ما أثر في الفريق أكثر هو الكرم الذي أبداه الزوار في مشاركة قصصهم وذكرياتهم. وتأمل أن يغادر كل زائر وهو يعلم أن جنوب لبنان أكبر وأكثر تعقيداً من الصورة المختزلة في الأخبار، وأن يحمل معه قصة، أو ذكرى، أو حتى سؤالاً جديداً. والأهم من ذلك، تأمل أن يشعروا بأن قصة كل شخص تستحق أن تُسمع، لأن مشاركة الذكريات تجعلها مسؤولية جماعية تقرب الناس من بعضهم البعض. "كأنني أرى الجنوب للمرة الأولى" هكذا تصف جانا، زائرة تبلغ من العمر 22 عاماً، تجربتها. لطالما سمعت عن تحرير الجنوب ومركز احتجاز الخيام، لكنها شعرت وكأنها عاشت تلك اللحظات داخل المعرض بعد مشاهدة التسجيلات والاستماع إلى شهادات من عايشوها. انتابتها رغبة قوية في البكاء. وتعتقد أن ما يميز المعرض هو أنه لا يعرض الألم فحسب، بل يضعه جنباً إلى جنب مع الأمل. فمن جهة، استمعت إلى قصص من فقدوا منازلهم أو عاشوا التهجير، ومن جهة أخرى، رأت صوراً للقرى والحياة اليومية قبل الدمار. هذا جعلها تشعر بأن الجنوب ليس مجرد ساحة معركة، بل مكان مليء بالحياة والذكريات. تقول إنه طوال الحرب، لم تشعر بأنها فهمت حقاً ما يمر به أهل الجنوب، لأن وسائل التواصل الاجتماعي كانت مشبعة بالسرديات المتضاربة والانقسامات السياسية. وبالمقابل، منحها المعرض فرصة الاستماع إلى الناس بأنفسهم، من خلال أصواتهم وصورهم، بعيداً عن أي محاولة لإقناعها بوجهة نظر معينة. وتضيف أن الجمع بين الصوت والصورة جعل التجربة أكثر قوة، وقد غادرت مفتونة بفكرة تصميم سكان الجنوب على التمسك بأرضهم وارتباطهم العميق بها. نوال، البالغة من العمر 47 عاماً، مرت أيضاً بالتجربة. فقد أعادتها جولتها في المعرض إلى ذكريات تعود إلى 26 عاماً، عندما عادت هي وعائلتها إلى قريتهم بعد التحرير. وتقول إن تلك اللحظات كانت من أسعد أيام حياتها، وأن المعرض أعادها إليها بكل المشاعر والفرح والحنين الذي كانت تحمله. في الأسابيع الأخيرة، جلب العديد من الأشخاص صوراً وألبومات عائلية ليتم إضافتها إلى المعرض، وفقاً لأبي راشد. من بينها حوالي مئة صورة تبرعت بها سيدة من قضاء بنت جبيل، بالإضافة إلى عشرات الصور الأخرى من نبطية الفوقا وقلعة الشقيف المحتلة، والتي ستُعرض عند إعادة افتتاح المعرض في سبتمبر. تعتقد أبي راشد أن أهمية المشروع لا تكمن في جمع الأرشيفات بحد ذاتها، بل في الاعتراف بما عاشه الناس وحماية قصصهم من النسيان. بالنسبة لها، الأرشيف ليس مجرد استعادة للماضي أو إحياء للذاكرة، بل هو تأكيد للوجود، وحماية للجذور والهوية، ورفض للسماح لهذه التجارب بأن تُمحى من الذاكرة الجماعية. يبقى السؤال الأخير قبل أن يغلق المعرض أبوابه لاستراحة الصيف: هل سيعود في سبتمبر بنفس الشكل؟ بالنسبة لأبي راشد، الإجابة واضحة: "منذ افتتاحه، والمعرض يتغير باستمرار، مع كل رسمة، وصورة، وذكرى جديدة يتركها الزوار. لكن جوهره سيبقى كما هو، لأن ستة أسابيع لم تكن كافية لمعرض من هذا النوع." |