|
A+
A-
مرة أخرى، تُثبت الحكومة أنها لا تبحث عن حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية، بل عن أسهل الطرق لتحميل المواطن نتائج فشلها. قرار رفع الدولار الجمركي ليس إصلاحًا اقتصاديًا كما يُروَّج، بل صفعة جديدة تُوجَّه إلى وجوه الناس الذين أنهكتهم المعيشة وكسرتهم الأعباء. في بلد يعيش فيه الشعب من دون رواتب منذ أربعة أشهر، وتعود فيه أسعار السلع الغذائية الأساسية للارتفاع بنسبة تتجاوز 20%، يأتي هذا القرار ليصب الزيت على نار الغلاء ويضاعف معاناة الناس. يُؤخذ هذا السعر عند تقييم قيمة البضائع المستوردة بهدف تحديد الرسوم الجمركية الواجب دفعها. من أبرز آثاره الإيجابية أنه يساعد على استقرار أسعار السلع المستوردة ويمنح الدولة مورداً مالياً ثابتاً، كما يسهّل التخطيط المالي للتجار والمستوردين. أما سلبياته فتتمثل في احتمال ارتفاع أسعار السلع للمستهلكين إذا تم رفع الدولار الجمركي، إضافة إلى تأثيره السلبي المحتمل على النشاط التجاري وحجم الاستيراد في حال أصبح الفارق كبيراً بينه وبين سعر الصرف في السوق. فـ80٪ من الإيرادات لا تصل إلى خزينة الدولة، بل تضيع بين المنافذ، والجبايات غير القانونية، والجهات المتعددة التي تتقاسم المال العام دون حسيب أو رقيب. فكيف يُعقل أن تُبرر الحكومة رفع الدولار الجمركي بحجة “زيادة الموارد”، بينما الموارد نفسها تُهدر أمام أعينها كل يوم؟ قبل أن تفرضوا على الناس مزيدًا من الأعباء، اضبطوا المنافذ ووحدوا الإيرادات وأوقفوا النزيف المالي. فليس من العدل أن يُعاقَب المواطن على فسادٍ لم يرتكبه. التاجر لن يخسر شيئًا، سيضيف التكلفة الجديدة على سعر السلعة، والمواطن هو من يدفع الثمن. ما تحقق من استقرار اقتصادي هش خلال الأشهر الماضية سيتبخر بالكامل. سيرتفع التضخم، وسيتراجع الريال، وسنعود جميعًا إلى نقطة اللاعودة. إنه قرار لا يمكن وصفه إلا بأنه مغامرة متهورة، لا تراعي الواقع المعيشي ولا تحسب حساب ما سيترتب عليه من فوضى اقتصادية واجتماعية.
إذا كانت الحكومة جادة فعلًا في الإصلاح، فلتبدأ من نفسها، من مؤسساتها، من المنافذ والضرائب والموارد المنهوبة، لا من جيوب الناس الفارغة. الشعب لم يعد يحتمل. أربعة أشهر بلا رواتب، وأسعار ترتفع كل أسبوع، وفساد لا يُحاسب عليه أحد.
|