|
A+
A-
بعد أن قضيت إجازة عيد الأضحى أحد عشر يومًا في ثغر اليمن الباسم عدن، تنفست رائحة البحر المالحة، وشاهدت زرقة مياهه تتراقص بلطف، وتأملت تفاصيل حياة الناس هناك... عدن كانت نسمة في زمن الاختناق، استراحة محارب أنهكته الجبهات الخفية في صنعاء. هناك، بدا كل شيء جميلًا، هادئًا، وإن لم يكن مثاليًا، لكنه بالمقارنة بدا جنة أرضية. الغاز أرخص بكثير من صنعاء، وسعر الأسطوانة لا يتجاوز 1500 ريال قديم. أما في صنعاء، فكرت الإنترنت بـ200 يتبخر في عشر دقائق! لكنّ المشهد الأبلغ دلالة، كان في الشوارع: رغم انهيار العملة، ما زالت السيولة موجودة في عدن، والناس يعملون، المال يجري في أيديهم. ثمة حياة تدبّ هناك. أما في صنعاء... فماذا أحدثكم عنها؟ "مليحة عاشقها السلّ والجربُ." في صنعاء، صارت الشوارع أسواقًا مفتوحة للتسول: كل شيء هنا غالٍ، باهظ، متوحّش في كلفته: الأسواق راكدة، الاقتصاد مشلول، الناس يتضورون جوعًا بصمتٍ وكرامةٍ مكسورة. في صنعاء، لا نعيش كما يعيش البشر، بل نحيا كما تُحيا الحروب... نحنُ أبناء مدينة اختطفت من التاريخ والجغرافيا، ووُضعت في برزخ رمادي لا يشبه الحياة ولا الموت. مدينة عالقة بين أنفاس الموتى وصراخ الأحياء. صنعاء لم تعد مدينة، بل ساحة حرب مفتوحة على النفس، على الذاكرة، على الحلم، وعلى الحياة نفسها. |